Showing posts with label سينما. Show all posts
Showing posts with label سينما. Show all posts

Saturday, May 28, 2011

حلقة 36 - أسامة أنور عكاشة

حلقة 36

أسامة أنور عكاشة

27 يوليو 1941 – 28 مايو 2010

مسقط رأس: طنطا - الغربية لأسرة من محافظة كفر الشيخ

في هدوء وتجاهل كبيرين تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لوفاة إمام كتاب الدراما التلفزيونية العربية أسامة أنور عكاشة، لتتسبب الأحداث الصاخبة في تناسي ذكرى عملاق تحتاج قيمته وتأثيره الفني والاجتماعي للكثير من الدراسات ليمكن إدعاء الإلمام بها، لذا فإن التناول التالي ما هو إلا محاولة بسيطة لقراءة سيرة مولانا عكاشة كأقل هدية يمكن أن تقدم لذكراه، قراءة حاولت أن أوجزها في أربع نقاط مركزة..

أولا.. تنبع قيمة عكاشة بالأساس من كونه مؤسسا لفن كامل إسمه الدراما التلفزيونية العربية، وأزعم هنا إنه فن مستقل بذاته تماما عن فن الدراما التلفزيونية حول العالم، فالدراما الأمريكية والأوروبية والآسيوية (والأمر هنا معقد ويحتاج لدراسة أكثر تفصيلا) تدور في فلك بعض الأشكال البنيوية والموضوعية التي لا يقع من ضمنها على الإطلاق صورة "الرواية الدرامية الاجتماعية المكثفة ذات الطول فوق المتوسط" التي كان أسامة أنور عكاشة هو مطلقها، فلا هي يمكن اعتبارها ضمن "أوبرا الصابون" الأمريكية الرخيصة المعتمدة على الطول المفرط شكلا والعلاقات العاطفية موضوعا، ولا هي ضمن "المسلسلات السينمائية" التي يتمد تمديد مدتها طبقا لنجاحها ولتعقد حبكتها التي تكون أكثر تشويقا في صورته المجردة من الموضوعات العكاشية المائلة للدراما الاجتماعية.

فعكاشة هو الأب الروحي لفن لم يعرفه العالم خارج إطار الوطن العربي، وهو الفن الذي شهد بعض الإرهاصات مع نشأة التلفزيون المصري، ولكنه ما كان ليحقق هذا النجاح والانتشار الهائل مالم يهبه الله رسولا كأسامة أنور عكاشة، وقد أجاب صديقي السيناريست الموهوب محمد أمين راضي عن التساؤل الذي طرحه البعض عن مدى قدرة دراما عكاشة على النجاح إذا ما كان الرجل قد بدأ حياته في ظل مثل هذا الانفجار التلفزيوني الحالي، فكان الرد الوافي هو إن لولا وجود عكاشة لما كان هذا المولد التلفزيوني قد وجد من الأساس، ولكان هذا الشكل المصري تماما من الدراما التلفزيونية قد انقرض مثل الكثير من تجارب الشكل البرامجي المرتبطة بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بل إن بإمكاننا تحميل عكاشة ذنب المستوى السيئ للدراما الحالية لأن نجاحه فتح الباب للكثير من محدودي ومعدومي الموهبة الذين حاولوا تكرار تجربته دون أن يمتلكوا الأدوات الإبداعية اللازمة.

ثانيا.. قد نختلف أو نتفق مع أسامة أنور عكاشة الشخص والمؤلف، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر حالة الاتساق الكامل بين الرجل وأعماله، فهو الصورة الأمثل للكاتب "صاحب المشروع"، الكاتب الذي اختار من يومه الأول أن يكون محللا ومحاميا وناقدا للشخصية المصرية وبناها الاجتماعي، والتزم حتى يومه الأخير بهذا الاختيار الذي تحول مع تراكم الخبرات إلى كائن فني حي يمتلك ضميرا وإرادة خاصة به، جعلت صاحبه حتى نهاية عمره لا يصنف إلا طبقا لقناعاته الخاصة، ولا تشوبه أي شائبة إنتماء أو تواطؤ مع أي جهة بخلاف الجهة العكاشية، ليكون مبدعا اكتفى بسلاح موهبته ودأبه ليحفر به اسمه في تاريخ المجتمع المصري، دون أن يحتاج لإبرام أي صفقات أو الحصول على أي استثناءات سلطوية.. وهو مشوار طويل وشاق لكنه انتهى بتتويجه ملكا متوجا لكتاب الدراما المصريين، بصورة تصعّب المهمة على أي كاتب يسعى للحصول على شهرة وتقدير مماثلين.

ثالثا.. يمثل عكاشة صورة مثالية لتضافر الموهبة بالصنعة، والشعبية بالتجريب، فعلى مدار مشواره الطويل تجد الكثير من المتناقضات، من مسلسل اقتربت حلقاته من 150 حلقة كليالي الحلمية إلى مسلسلات لا تتجاوز حيز ال15 حلقة كالراية البيضا والنوّة، ومن أعمال معتمدة بشكل كامل على تيمة شعبية وبناء كلاسيكي كضمير أبلة حكمت إلى أعمال تنحو إلى التجريب المفرط في السرد والإيقاع كأنا وانت وبابا في المشمش وعصفور النار، التناقض الذي يوضح الروح الفنية المتقدة التي امتلكها عكاشة، الراغبة في تحقيق كل أحلام الفنان من الشهرة والجماهيرية إلى الابتكار والإضافة إلى تراكم التاريخ الفني.

رابعا.. نوع آخر من التناقض تراه إذا ما حاولت تصنيف أعماله، لتكتشف إن المشروع العكاشي ليس بسيطا كما يتبدى لغير المدقق، بل إنه مشروع مركب يضم ثلاثة اتجاهات واضحة (والتصنيف هنا لمحمد أمين راضي مجددا)، تتشابه في بعض الأمور وتتنافر تماما في البعض الآخر، فالاتجاه الأول هو الدراما "الدون كيشوتية" الشخصية بالأساس، التي تعتمد على وجود بطل نبيل يواجه مشكلات العالم الخارجي، وعلى رأس هذا الاتجاه بالطبع أبو العلا البشري الذي زينت صورة دون كيشوت تتراته وكذلك ضمير أبلة حكمت وأمرأة من زمن الحب، أما الاتجاه الثاني فعلى العكس هو اتجاه تحليلي بطله الزمان، يعتمد بالأساس على تثبيت الشخوص والمكان وتحريك الزمن لتحليل الحراك المجتمعي بشكل "شبه علمي"، والصورة الأوضح لهذا الاتجاه هو عمله الأيقوني ليالي الحلمية وكذلك الشهد والدموع، أما الاتجاه الثالث والأخير –طبقا لتوقيت ظهوره في المشروع- فهو اتجاه البحث في الهوية ومحاولة فهم الشخصية المصرية، وهو الاتجاه الذي شغل عكاشة بأكبر قدر خلال العقدين الأخيرين من حياته، فأفرز عملا بديعا اسمه أرابيسك ومشروعين ضخمين لم يمهله العمر الوقت الكافي لإتمامهما هما زيزينيا والمصراوية.

لكل نقطة من الأربعة السابقين دورا في تكوين أسطورة أسامة أنور عكاشة، ومع تراكمها في أذهان المصريين عبر سنوات نشاطه الفني كان لابد وأن تحدث الكثير من التغييرات في كل من وما حولها، بداية من تأثيرها على وسط الإنتاج التلفزيوني مثلما أشرت في نقطة سابقة، إلى تأثيرها على وعي الجمهور الذي اختار عكاشة ليكون مؤلفه المفضل، إلى تأثيره في الفن والأدب المصري بشكل عام، فببساطة تامة يمكننا أن نقول إن أسامة أنور عكاشة هو الذي ارتقى بفن الدراما التلفزيونية ونقاه من الشوائب، ثم ارتفع به ليبلغ مصاف الأدب المرئي أو الواقعية السحرية التلفزيونية، وهو ابن المجتمع المصري البار الذي صنع تاريخا يصعب مقاربته.

Friday, May 13, 2011

حلقة 35 - كمال الشيخ

حلقة 35

كمال الشيخ

5 فبراير 1919 – 2 يناير 2004

مسقط رأس: حلوان - القاهرة

لو سألت مائة شخص من العاملين في السينما ومحبيها عن أفضل عشرة مخرجين في تاريخ السينما المصرية فستتكرر أسماء مثل يوسف شاهين وصلاح أبو سيف وعاطف الطيب ومحمد خان، يليها أسماء مثل رأفت الميهي وخيري بشارة وهنري بركات وعلي بدرخان، وقد يميل البعض للمعاصرة فيختارون أسامة فوزي أو يسري نصرالله أو هاني خليفة، وبالطبع سيتجه اختيار "المُثقفين" إلى شادي عبد السلام وربما توفيق صالح، ولكن وسط كل هذا الزخم من الأسماء المختلفة في هامتها وأهميتها والمتفقة في تأثيرها وتفردها، سينسى العدد الأكبر ذكر اسم كمال الشيخ، ربما يذكره البعض على استحياء ولكن تأكد إن تجميع عدد الأصوات لن يضعه ضمن أفضل عشرة أسماء، وهو الأمر الذي سيجعل هذه القائمة ببساطة بحاجة إلى التمزيق والإلقاء في أقرب صفيحة للقمامة.

ولقد توقفت كثيرا محاولا التفكير في سر هذا الإهمال والتجاهل المنهجي الذي يتعرض له الراحل كمال الشيخ بعد أعوام قليلة على وفاته، بل والذي تعرض له خلال 17 عاما كاملة قبل وفاته لم يقدم فيها أي عمل في وقت قدم فيه أشخاص أقل ما يوصفون به إنهم جهلة عشرات الأعمال، وسر حيرتي إزاء هذا الموقف الغريب إن سينما كمال الشيخ لم تكن أبدا من النوع الطارد للإنتاج، بمعني أنني أتفهم تماما ابتعاد رجل كتوفيق صالح عن العمل في ظل آليات سوق لن تسمح له بتقديم الشرائط الذهنية المأدلجة الذي اعتاد تقديمها، ولكن أن يجلس رجل لُقب يوما بهيتشكوك العرب من فرط تمكنه من صنعة الإثارة والتشويق فهذا أمر محير. –وأسجل هنا اعتراضي على تشبيه كمال الشيخ بهيتشكوك لأن فيها حسب رأيي تقليل من شأنه ,الشيخ لا هيتشكوك!

بعد تفكير ومحاولة لاستقراء منهج مجتمع السينما المصري وطريقة تفكير أفراده توصلت إلى إن أسباب عظمة كمال الشيخ هي ذاتها أسباب التجاهل والتهميش الذي يتعرض له بشكل منتظم، فالحقيقة إن السينمائيين المصرين من كتاب ومخرجين ونقاد بل ومشاهدين قد اعتادوا بشكل عام –وهناك استثناءات بالطبع- على تقسيم الأعمال السينمائية إلى فئتين عريضتين: الأعمال التجارية والأعمال الفنية، وفي قول آخر أفلام الشباك وأفلام المهرجانات، وفي قول ثالث أفلام الجماهير وأفلام المثقفين، وكان الدأب الدائم هو الفصل الكامل بين الفئتين، ووضع تصورات لأفلام كل فئة يصعب تجاوزها، فأفلام الشباك ممتعة ومثيرة وخفيفة الظل، ولكنها خفيفة المضمون أيضا لا تهدف سوى لمقايضة أموال المشاهد بساعتين يقضيهم سعيدا، أم الأفلام النخبوية فهي في الغالب أفلام معقدة محشوة بالأفكار عسيرة الفهم ولا يشكل الاستمتاع بمشاهدتها أي حيز من اهتمام صناعها، وأكرر هنا إن هذا هو الوضع السائد مع وجود استثناءات دائمة.

وبالوقت خلق كل اتجاه عدد ضخم من المريدين والمروجين له، يعتمد كل جانب منهم بالأساس على السخرية من الآخر كمصدر لشرعيته، فدعاة السينما التجارية يتحدثون عن التسلية والترفيه وإتقان الصنعة ويسخرون من الأفكار العميقة واللغة السينمائية المعقدة في الجانب الآخر، بينما يتحدث أنصار السينما الفنية عن الإبداع النخبوي ساخرين من التردي والسطحية في أفلام التجاريين، وعندما يصبح الصراع بهذا التطرف كان لابد وأن يكون الضحية شخص مثل كمال الشيخ لأنه ببساطة يهدم بأعماله آراء الجانبين ويسخر من جمودهم وتشدقهم، فهو الذي أثبت "في مرحلة مبكرة للغاية من عمر السينما المصرية" إن القيمة الفنية والفكرية العالية لا تتعارض إطلاقا مع التشويق والجماهيرية، بل وأن صانع الأفلام المتمكن قادر على أن يجعل ارتباطهما طرديا، فأكثر أفلامه إثارة وجاذبية للجمهور هي نفسها أعلى أفلامه قيمة وأثراها فنا.

لاحظ إننا نتحدث عن مخرج بدأ العمل في خمسينيات القرن الماضي، في وقت لم يكن فن السينما في مصر قد تمايز من الأساس عن باقي الفنون بصورة تسمح بأن يكون له ملامح واضحة، ليصنع فيلم مثل "حياة أو موت" ليؤسس به لفكرة السينما الشعبية القادرة على تحدي الزمن، تحدي زمن إنتاجها بصنع فيلم للمرة الأولى يتراجع فيه دور النجم كثيرا لتصبح البطولة للمدينة، ويتحدى زمننا الحالي بقدرته على المواصلة لتشاهده بنفس المتعة بعد أكثر من نصف قرن.. فيلم يمتاز بلغة سرد شديدة التماسك بدرجة تجعل من المستحيل أن تبدأ المشاهدة دون أن تنهي الفيلم الذي لا تتجاوز مدته الساعة والربع "وهو في حد ذاته تحطيم لفكرة سائدة حتى الآن تتعلق بالحد الأدنى لزمن الفيلم"..

على هذا المنوال استمرت مسيرة كمال الشيخ السينمائية، ليقدم لأرشيف السينما المصرية عدد ضخم من الأعمال التي يجمع معظمها بين الحسنيين: الشعبية والفن، بالإضافة للقدرة على الاستمرار.. ويمكنك أن تشاهد أفلام مثل "الخائنة" و"على من نطلق الرصاص" و"غروب وشروق" لتفهم سر عظمة الرجل التي شكلت مأزقا لكل من يحاول الدفاع عن رؤية سينمائية متطرفة، لأنه يقول ببساطة لدعاة السينما التجارية إن دفاعكم عن أفلام ضعيفة لا ينم سوى عن عجزكم عن تقديم الأفضل، ولدعاة سينما النقاد والمهرجانات إن تشدقكم سببه الفشل في الوصول للجماهير، فكانت النتيجة هو نسيانه حيا وميتا، والاحتفاء بمن هم أقل منه قدرا وموهبة وتأثيرا.

Saturday, February 19, 2011

حلقة 33 - أم كلثوم

حلقة 33

أم كلثوم

30 ديسمير 1898 – 3 فبراير 1975

مسقط رأس: طماي الزهايرة – السنبلاوين – الدقهلية

لطالما راودني هاجس يتعلق بالمصريين، فمن الواضح تماما أن المصري إنسان ذكوري يضع كل الصفات الحسنة في إطار الرجولة، ولا يتورع أن يستخدم مصطلحات مثل "مَرَة" و"زي النسوان" كسُبة مهينة، وحتى عندما يريد أن يمدح سيدة فيقول عنها "بميت راجل"، وهو وصف وإن كان يعظّم صاحبه فهو يصم باقي بنات جنسها. العجيب أن المصريين ومع كل ما سبق وضعوا وطنهم دوما في صورة الأنثى، فكانت مصر في تراثنا المقروء والمسموع والمحكي هي المرأة والأم والحبيبة، وهي مفارقة تستحق التوقف خاصة مع شعب يعشق وطنه بهذا القدر.

يقول الرأي المحفوظ أن الوصف الأنثوي يتعلق بكون مصر هي السيدة الفريدة الخصبة الولود الحنون ذات المنح والعطايا التي لا تنتهي، وهو الرأي الذي يمكن تفنيده بسهولة إذا ما أردنا، ولكن الأهم من تفنيده هو الوصول للحقيقة التي توصلت لها عندما قارنت صورة مصر في أذهان أبناءها مع صورة السيدة التي تعد التجسيد الأمثل للوطن في نظر الكثير.. أم كلثوم التي قدّسها المصريون كما قدّسوا وطنهم فلم تعد مجرد مطربة هائلة الشعبية، بل أصبحت رمزا حقيقيا يشغل مكانة لم ولن يشغلها آخر في قلوب أبناء النيل.

النظرة الدقيقة والمقارنة توصلنا لحقيقة أن الصيغة الذكورية ما هي إلا غلاف خارجي لشيء متناقض.. ألوهية أنثوية تسيطر على المصريين.. نعم.. نحن شعب نعبد النساء، ولكن ليست أي نساء!

المصريون لا يقدسون الجواري المانحات بلا حدود، والواقع أن لا أحد يفعل "وحجم وطنية أبناء دول الخليج المانحة أبرز مثال"، والحقيقة أن مصر لم تكن أبدا مانحة بلا حدود، فتاريخنا يشهد أن الغالبية العظمى من المصريين لم يعيشوا أبدا في رغد وطنهم، كذلك لم تكن أم كلثوم مانحة بلا حدود، بل كانت مانحة ومانعة، تستفيد من إمتاعها للملايين بالسلطة والمال والنجومية وقبلها بحب الناس.

المصريون لا يقدسون مصر لأنها تأخذ دوما صفهم، فلطالما كانت مصر مطيعة للسادة من الفراعنة للمماليك للعسكر على حساب أبناءها، وكذلك كانت أم كلثوم هي مدّاحة كل عصر، تغني لفؤاد وفاروق وجمال وللملكية والاشتراكية، هذا التمنع الذي يجعل كليهما أكثر إثارة وإغراءا، ويجعلنا أكثر عشقا وتمنيا لنيل الرضا.

مصر ليست دولة فريدة لم يخلق الله مثلها في البلاد، وكذّبنا جميعا هيرودوت الذي رآها هبة النيل ورأيناها هبة أبناءها الذين عشقوها فصنعوا تاريخها، كذلك لم تكن أم كلثوم هبة صوتها الغير مسبوق.. انس هذا الأمر فالحقيقة أن هناك عشرات الأصوات الأجمل.. انس كذلك أساطير الأولين حول المايكروفون الذي لم يتحمل قوة صوتها، فهي حكاية إن صحت فلن تدل سوى على شيئين، أولهما سوء حالة مايكروفونات ذلك العصر، وثانيهما أن أي حمار كان ليأخذ مكانة أكبر من أم كلثوم بحكم قوة الصوت!.. أم كلثوم هي هبة من حولها، هبة قمم الكلمة واللحن الذين منحوها تراثا حقيقيا قادرا على إدخال أي مغن للتاريخ.

نحن لا نحب مصر لأنها الأجمل ولا لأنها تمنح بلا حساب، نحن نعشقها بكل ما فيها، بجمالها وقبحها ومنحها ومنعها، وتذوب قلوبنا هياما بمصر الأنثى الباهرة التي كثيرا ما تعطينا ظهرها وتلين لغيرنا. ونحن لا نحب أم كلثوم المطربة ذات الصوت الفريد التي دعمت المجهود الحربي، بل نحب أم كلثوم الفلاحة الخبيثة.. الأنثى اللعوب.. الماهرة في اللعب على كل الأوتار والنجاح في كل العصور.. نحب أم كلثوم الأنثى التي التف حولها أعظم مبدعي مصر.. شعراء وملحنين بهامة السحاب عشقوها ومنحوها أفضل ما عندهم طلبا للرضا والقبول، فأخذت المنح لتصنع بها أسطورتها، ثم أدارت لهم وجهها وتركتهم لتتزوج من طبيب!

Wednesday, November 10, 2010

حلقة 28 - سعيد صالح

حلقة 28 – احتفالية المضحكين

(حلقة خاصة بقلم محمود السعدني)

سعيد صالح

21 يوليو 1938

مسقط رأس: القاهرة

"ويأتي بعد ذلك سعيد صالح في المقدمة من شلة العيال. وهو أخفهم دما، بل هو أخف دم مضحك على الإطلاق، وهو قادر على إضحاك الطوب بحركة أو يلفتة وبإشارة من إصبعه الصغير. ثم هو لأنه نجا بمعجزة من عملية حشو الرأس بشعارات المثقفين، ودعاوي الأدعياء! ولأنه نبيت شيطاني فهو ابن الطبيعة، وهو ممثل لأنه خلق ليحترف هذه المهنة، وهو يشترك مع علي الكسار في ميزة هامة هو أنه لا يتعمد التمثيل، ولكنه يتحرك على المسرح كما يتحرك في الشارع ويتكلم بين شلة من الأصدقاء المقربين. إنه الولد الأهبل المعبوط المنشرح الصدر المفكوك زراير البنطلون، صاحب الغفلة الحلوة، والمبهج لكل ما يحدث في الحياة من أفراح وأتراح ومصائب سودة وبلاوي متلتلة! ولو تعقل سعيد صالح قليلا، ولو انضبط قليلا في حياته وفي سلوكه، ولو ادخر كل جهده وكل قوته للعمل لانفجر مثل قنبلة زنة ألف رطل"

محمود السعدني – كتاب "المضحكون" – فصل "العيال"

حلقة 27 - حسن مصطفى

حلقة 27 – احتفالية المضحكين

(حلقة خاصة بقلم محمود السعدني)

حسن مصطفى

16 يونيو 1929

مسقط رأس: غير معروف

"وسترى حسن مصطفى دائما في دوره التقليدي دون أن تمل، لأنه لا يكرر ولا يقلد نفسه، بل هو قادر دائما على إضافة حركة جديدة تجعله جديدا أمام الناس وهو دائما وحتى في أتفه الأدوار سيجد لازمة تضحك من الأعماق، كحة، تفة، نظرة، همهمةن إشارة، المهم سيجد شيئا وأنك ستضحك على الدوام، ويا ميت خسارة على حسن مصطفى، لو وجد دورا يلائمه لبرز إلى المقدمة، ولكن سوء الحظ أوقعه في براثن فرقة الفنانين المتحدين، حيث يكون التركيز كله على النجوم الكبار وحيث يتعين على نجوم الوسط أن يبحثوا لأنفسهم عن موضع لقدم في الزفة!

ولكن الذي أريد أن اقوله أن حسن مصطفى لم يعثر على دور مناسب بعد. وإن امكانياته أغنى بكثير مما ظهر منها حتى الآن، وهو منجم لم يصل العمال إلى أعماقه، وبئر بترول لم تستغل إلا الطبقة الأولى منه، وهو كتاب لم تقرأ إلا بعض صفحاته! ولكني أخاف على حسن مصطفى من الخوف، فهو دائما خائف ومذعور من البطالة.. وهو لذلك يقبل أي دور وكل دور في سبيل أن يبقى شغالا كالطاحونة. وفي السينما لم يعثر على نفسه بعد لأنه جالس دائما إلى جوار التليفون في انتظار الأوردر!"

محمود السعدني – كتاب "المضحكون" – فصل "الظريف"

حلقة 26 - الضيف أحمد

حلقة 26 – احتفالية المضحكين

(حلقة خاصة بقلم محمود السعدني)

الضيف أحمد

12 ديسمبر 1936 – 16 أبريل 1970

مسقط رأس: تمى الأمديد - الدقهلية

"هو أراجوز الجوق بشكله وحجمه.. المضحك المختار، وكانت الطبيعة خية معه فأعطته كل ما يجعل الرجل العادي منفرا، ويجعل الرجل المضحط محبوبا! الحجم السفروت، والوجه المغضن المقلحف المعبر، والبق المفشوخ كبوابة جهنم، والظهر المحدودب، والسيقان كأنها سيقان معزة المرحوم غاندي! أراجوز لا شك. فإذا كان الأراجوز يتمتع بعقل، ومن تجربة الحياة استطاع أن يستخلص لنفسه ثقافة معينة وفهما محددا، إذا حدث هذا الفنان بين ما أعطته الطبيعة وما منحته التجربة، كانت النتيجة فنا عظيما تماما كما يتعانق النيل الأزرق والنيل البيض عن أم درمانن ليخرج من هذا العناق العظيم النيل الأعظم"

محمود السعدني – كتاب "المضحكون" – فصل "الممثل المضحك كداب الزفة"

Wednesday, November 3, 2010

حلقة 25 - محمود شكوكو

حلقة 25 – احتفالية المضحكين

(حلقة خاصة بقلم محمود السعدني)

محمود شكوكو

1 مايو 1912 – 21 فبراير 1985

مسقط رأس: الدرب الأحمر - القاهرة

"وشكوكو يعكس بملامحه ونفسيته شخصية ابن البلد المصري الطيب الضحوك الولوع بالفرفشة والانبساط. وهو بسيط بساطة المصري الطيب، فلا هو معقد ولا متقعر، وهو حتى في نقده للحياة ينقدها وانما في رفق، كأنه يعالج زجاجة يخشى عليها من الكسر، ثم هو يريدها في النهاية أن تعتدل من أجل أن تستقيم الحياة للمتعة والمزاج. وهو بهذه البساطة استطاع أن يعبر مئات الكباري التي أقامها الفلاسفة والمفكرون لكي يصلوا في النهاية الى نفس النتيجة التي وصل إليها شكوكو بلا فلسفة ولا تعقيد. وهو بهذا الخط المستقيم استطاع أن يصل إلى قلوب الملايين، لدرجة أنه ذات يوم أصبح له تماثيل تباع في الشوارع، وما من دكان جزار أو بقال أو حلاق، وخصوصا في الأحياء البلدية، إلا وكان يزينه تمثال للبطل شكوكو!

وإذا كانت هذه التماثيل قد استخدمها البعض مادة للهجوم على شكوكو، فهي في الواقع كانت دليلا على نبوغه. فلم يكن شكوكو وقتئذ زعيما لحزب، ولم يكن يمسك في يده بسيف المعز وذهبه. ولكنه كان مجرد فنان أرزقي دخل قلب المصري البسيط لدرجة أنه صنه له تمثالا، لكي يصبح شكوكو في العين بعد أن أصبح يملأ القلب والجوانج والفؤاد"

محمود السعدني – كتاب "المضحكون" – فصل "الأراجوزات"

Saturday, October 30, 2010

حلقة 24 - ابراهيم البطوط

حلقة 24

ابراهيم البطوط

20 سبتمبر 1963

مسقط رأس: بورسعيد

نوقف احتفالية المضحكين مؤقتا لكي نحتفل بشيء أكثر حداثة وأجمل مذاقا، وبرجل أصبح في غضون سنوات قليلة ملهما لي وللمئات من محبي السينما في مصر.. عن ابراهيم البطوط أتحدث..

والحقيقة أنني أخشى بشدة من الحديث عن شخص أعرفه شخصيا، وأظل دائما متوجسا من فكرة اعتبار أي ثناء نوع من النفاق أو التحيز، بنفس قدر خوفي من التعليق على حدث طازج، خشية من الوقوع في فخ التسرع في الحكم على الأمور ومن التحول لواحد من محترفي "الظياط" على كل جديد. ولكن عندما يتعلق الأمر بشخص مثل ابراهيم البطوط، وبخبر مثل حصوله فيلمه "حاوي" على جائزة أفضل فيلم من مهرجان الدوحة ترايبيكا فالأمر يختلف. فشخص مثل ابراهيم البطوط لا يمكن أن تنافقه لأن كل كلمة ستكتبها سيستحق هو أكثر منها، وأشخاص مثل ابراهيم البطوط هم بالتحديد من يعد التحيز لهم فرضا على كل انسان عاقل.

ابراهيم هو الملهم.. وجوده بيننا هبة من الله.. هبة لأنك في كل مرة تراه فيها تتعلم بهدوء شديد العديد من الدروس الغالية.. تتعلم أنك من الممكن أن تقضي نصف عمرك تشاهد الموت لتخرج من التجربة عاشقا للحياة.. تتعلم أن الانسان والفنان الحقيقي هو الذي كلما ازداد نجاحا كلما ازدادا تواضعا وتهذيبا والتحاما بمن هم دونه.. تتعلم أن النجاح ممكن في أسوأ الظروف طالما آمنت به ورغبت فيه.. تتعلم أنك لا تحتاج مبالغ خيالية لتصنع سينما حقيقية، وأن حب من حولك ومساندتهم لك بدافع الايمان بك وبما تفعله يمكن أن تفوق قيمته ملايين الجنيهات.. وتتعلم قبل كل ذلك أنه وبالرغم من كل الأزمات والكوارث والمصائب، فإن مصر ستظل قادرة على إنجاب أشخاص مثل ابراهيم البطوط.

ولذلك أبارك لنفسي وللجميع قبل أن أبارك لابراهيم.. فنحن الفائزين الحقيقيين بهذه الجائزة.

حلقة 23 - ابراهيم سعفان

حلقة 23 – احتفالية المضحكين

(حلقة خاصة بقلم محمود السعدني)

ابراهيم سعفان

21 مارس 1924 – 4 سبتمبر 1982

مسقط رأس: غير معروف

"وسر لمعان ابراهيم سعفان منذ أول لحظة ظهر فيها هو التصاقه الشديد ببيئته الريفية، واندماجه السريع ببيئته الجديدة في المدينة. نموذج الفلاح المتعلم الذي هجر القرية إلى دنيا جديدة. لم يغرق تماما في طين القرية ولم يسبح بكامله في نهر المدينة ولكنه ظل معلقا بين الاثنين. نصفه في نهر المدينة، وعلى وجهه علامات الانبهار لما هو فيه وعلامات الألم لما كان عليه ! وفي نفسه تردد الحياة التي تموج أمام عينيه، وحنين شديد للحياة التي تركها خلف ظهره. هذا الانبهار والألم والتردد والحنين هي أهم مميزات ابراهيم سعفان، وهي عدة شغله في عالم الفن الكبير"

محمود السعدني – كتاب "المضحكون" – فصل "الهرم"

Friday, October 29, 2010

حلقة 22 - عبد المنعم ابراهيم

حلقة 22 – احتفالية المضحكين

(حلقة خاصة بقلم محمود السعدني)

عبد المنعم ابراهيم

24 أكتوبر 1924 – 17 نوفمبر 1987

مسقط رأس: من مواليد بني سويف لأسرة تعود لقرية ميت بدر حلاوة – الغربية

"يا ميت خسارة على عبد المنعم ابراهبم قطعة حجر ياقوت في زنزانة مساجين كلهم خرمانين وكلهم يبحثون عن سيجارة ! يا ميت خسارة عليه بئر بترول في صحراء جرداء يبحث سكانها عن زجاجة ماء مثلج دون جدوى ! شيء باهر جدا لكن لا قيمة له في السوق المنصوبة. والحياة دائما تحتضن من تريده حتى ولو كان الذي تريده هو يزيد بن معاوية !

ولعل سبب ضمور عبد المنعم ابراهيم في المسرح أنه داخ دوخة الأرملة في مسرح اسماعيل ياسين.. أي دور وأي كلام وأي حاجة.. لم يلتفت عبد المنعم ابراهيم إلى أنه من الممكن أن يكون له مسرح أو تكون له فرقة. ولك يعن كثيرا بأن يبحث عمن يكتب له نصا، ولكنه ترك الأمور سبهللة، أو بالعربي الفصيح تجري على أعنتها"

محمود السعدني – كتاب "المضحكون" – فصل "الخواجة"

Tuesday, October 26, 2010

حلقة 20 - محمد خان

حلقة 20

محمد خان

26 أكتوبر 1942

مسقط رأس: القاهرة

تعمدت أن أؤجل الكتابة احتفالا بعيد ميلاده الثامن والستين إلى ما بعد نهاية اليوم مراهنا نفسي على مرور يوم ميلاده مثل أفلامه، هادئا وراقيا وبعيدا عن الجعجعة والصوت العالي. لم يحتفل أحد بعيد ميلاد محمد خان سواه، بطريقة بسيطة (لم يقصد بالطبع بها أن تكون احتفالا)، وهي كتابة ثلاث تدوينات جديدة على مدونته ذائعة الصيت "كليفتي"، ليواصل إبهاره المستمر لي.

سر انبهاري الدائم بمحمد خان يعود لعدة أسباب أهمها عشقه الحقيقي لفن السينما وقدرته الفائقة على المواصلة، أنت أمام رجل على أعتاب السبعين من عمره يملك من الشهرة والتاريخ ما يكفل له أن يحيا بهدوء ويظل رمزا من رموز السينما المصرية، لكنه مقابل ذلك لا يكل ولا يمل، يتنقل من مكان لمكان لمشاهدة الأفلام وزيادة رصيده منها، ويعود لمنزله ليكتب سطورا بالمدونة عن كل فيلم يراه، بحماس شاب في العشرين ومثابرة ودأب يصعب العثور على مثيل له، ويكفي أنه من ضمن عشرات المدونات التي خصصها أصحابها للسينما (ومنهم كاتب هذه السطور) بقيت "كليفتي" هي الأكثر نشاطا واستمرارا ومتابعة لكل ما هو جديد، وأذكر أنني وخلال 48 ساعة في شهر ديسمبر الماضي قابلت محمد خان أربع مرات: مرة في سيتي ستارز يحضر عرضا من عروض بانوراما السينما الأوروبية صباحا، والثانية في نايل ستي يحضر العرض الخاص بفيلم بالألوان الطبيعية مساءا، ثم عصر اليوم التالي يبحث عن كتاب سينمائي بمكتبة مدبولي بوسط البلد، والأخيرة مساءا في دار الأوبرا يشاهد فيلما من أفلام إسبوع السينما الفلسطينية!!.. لا عجب فمحمد خان يكتب ويقرأ ويشاهد ويتحرك من مكان لمكان من أجل حياته.. من أجل السينما التي عشقها فمنحها مجموعة من أبدع أفلام تاريخنا السينمائي، ومنحته حب واحترام الملايين.

سبب آخر لانبهاري بخان هو تفرده، فمحمد خان بالفعل لا يشبه إلا محمد خان، هو أحد الظواهر الإخراجية المعدودة في تاريخنا التي تمتلك سمات خاصة تميزها تماما عن غيرها.. خان كان قادرا على خلق عالمه الخاص به فلم يحاول تقليد غيره، وحاول الكثيرون أن يقلدوه فكان كل ما جنوه هو ذاك الوصف الذي أصبح متعارفا عليه سينمائيا، فكان كل من يشاهد فيلمهم يخبرهم (وفي ذلك قمة الإطراء) أن فيلمهم "خاني" جدا!

حمل مجموعة من أفضل أفلام محمد خان

الحريف

ضربة شمس

أحلام هند وكاميليا

زوجة رجل مهم

يوم حار جدا

مشوار عمر

Saturday, October 23, 2010

حلقة 17 - حسن عابدين

حلقة 17

حسن عابدين

21 اكتوبر 1931 – 5 نوفمبر 1989

مسقط رأس: بني سويف

ليس من السهل على الإطلاق أن يصبح الممثل نجما وهو على بعد أعوام قليلة من سن الخمسين، وليس من السهل على الإطلاق أن يقبل ممثل أن يلعب دور الأب لزملاء يقاربونه العمر أم يفوقونه سنا فقط لأن الناس يحبون مشاهدته أبا، وليس من السهل على الإطلاق أن تتسبب مجموعة أعمال معدودة في دخول قلوب الجمهور والبقاء فيها يصورة أبدية، وليس من السهل على الإطلاق أن تدشن لفن جديد هو فن "إعلان دراما النجم" لتظل ما يزيد من ربع قرن أشهر وأنجح وأطرف من قام بهذا النوع من الإعلان.. باختصار.. ليس من السهل أبدا أن تكون حسن عابدين!

شاهد مقاطع للنجم حسن عابدين

مشهد شهير من فيلم درب الهوى

اعلان سر شويبس – الفك المفترس

اعلان سر شويبس – مارجريت

اعلان سر شويبس – الصعيد

اعلان سر شويبس – الحرس البريطاني

اعلان سر شويبس – المايسترو

اعلان سر شويبس – جي ار

مقطع من مسرحية على الرصيف – مين اللي سرق مصر؟

Wednesday, October 20, 2010

حلقة 16 - محمد فوزي

حلقة 16

محمد فوزي

18 أغسطس 1918 – 20 أكتوبر 1966

مسقط رأس: كفر أبو الجندي – طنطا – الغربية

بإمكاني أن أجد لك عشرات الأشخاص ممن يكرهون أم كلثوم، أو يثير صوت عبد الحليم أعصابهم، أو يجدون وردة زاعقة الصوت غير ممتعة، فدائما ما يوجد لأي فنان ناجح محبين وكارهين، ولكن محاولة العثور على شخص لا يحب محمد فوزي (ولن أقول يكرهه) هي أمر عسير ستدرك إذا ما حاولت فعله سر هذا الطفل الكبير: حب الناس.. تلك الهبة الربانية التي لا يمكن تعلمها أو استيرادها.. والتي منح الله لفوزي أسرارها.

مختلف بشدة هو، عسير على التقليد، لأنه لا يشبه غيره ويصعب جدا أن تشبهه، غني فدخل قلوب الجميع من العاشقين المتيمين إلى الأطفال المشتعلين بالحياة، ومثل فصار أحد أنجح المطربين الممثلين في تاريخنا بموهبته الفطرية وخفة ظله التي لا تقاوم، ولحن فأهدى المكتبة العربية بألحان متنوعة بصورة مذهلة: من الرومانسي الحالم في "يا اعز من عيني" لليلى مراد، إلى الرومانسي خفيف الظل في "مال القمر ماله"، إلى الشعبي في "ساكن في حي السيدة"، وحتى أغنيات الأطفال الخالدة وعلى رأسها بالطبع "ماما زمانها جاية".

هذا بالإضافة لوقوفه كهرم شامخ من أهرام الصناعة الوطنية المصرية، وحكاية شركة "مصرفون" التي أسسها لا يزال الجميع يتداولونها: الشركة التي حطمت الاحتكار الأجنبي لسوق الاسطوانات، كان الأجانب يحتكرون بيع الاسطوانات بسعر جنيه للاسطوانة الهشة سهلة الكسر التي يمكن التسجيل على وجه واحد منها، فجاء فوزي ليهدي المصريين اسطوانة مقاومة للكسر يمكن التسجيل على وجهيها وبسعر 35 قرشا فقط!!.. وهو أول من أسس نظام التعاقد مع المطربين ليحصلوا على نسب من مبيعات أغنياتهم فكان الإرهاصة الأولي في الشرق الأوسط لمفهوم حق الأداء العلني. "مصرفون" التي أسسها فوزي الفلاح ابن محافظة الغربية بعرقه ودمه ووضع فيها كل ما يملك، والتي استيقظ يوما ليجدها قد تم تأميمها مثل مصانع الإقطاعيين لتكون الضربة التي أدخلته دوامة المرض حتى اختطفه الموت.

شاهد واستمع لاغنيات والحان محمد فوزي

مال القمر ماله – تسجيل نادر

ذهب الليل وطلع الفجر

ليا عشم وياك يا جميل

ماما زمانها جاية

شحات الغرام

Saturday, September 25, 2010

حلقة 11 - نجاح الموجي

حلقة 11

نجاح الموجي

11 يونيو 1945 – 25 سبتمبر 1998

مسقط رأس: غير معروف

في وجهه الألفة التي تجدها في وجه الجالس بجوارك على المقهى، والطيبة التي تشاهدها على وجه موظف مرهق يترك مكانه في الأتوبيس لسيدة عجوز، والخبث المرسوم على وجه بائع في متجر يساومك على سعر القميص وكلاكما يعرف أن الوصول لاتفاق أمر مفروغ منه. في أكثر أدواره الكوميدية لا تستطيع إلا وأن تلمح الحزن الكبير بداخله، وفي أكثر أدواره كآبة لا تستطيع إلا وأن تلاحظ بريق خفة الدم في عينيه.

هو نجاح الموجي النجم الذي رحل سريعا، والذي ظل حتى يومه الأخير يحتفظ بملامح وطباع المصري الحقيقي الذي لم تغيره أضواء الشهرة والنجومية. فلا تتعجب عندما تعلم إنه لم يتنازل عن وظيفته الحكومية حتى يوم وفاته حتى وصل لدرجة وكيل وزارة؛ فهو مثل كل مصري يعلم أنها "لا تدوم"!. واليوم تمر الذكرى الثانية عشر لرحيل نجاح الموجي الذي ملأ الدنيا فرحا وضحكا وبهجة، ورحل في صمت بعد أن أنهى دوره في أحد المسرحيات، تاركا على جهاز الرد الآلي لتليفون منزله رسالة بسيطة يقول فيها للمتصل: "أنا مشغول جدا اليومين دول، ومش هاعرف أكلم حد خاااالص".

شاهد مقاطع متنوعة لنجاح الموجي

اتفضل من غير مطرود من فيلم "أيام الغضب" وأشهر أغنية لممثل في جيله

من مسرحية "المتزوجون" مع جورج سيدهم وسياسة الوفاق

مونولوج "حنورة حكالنا حكاية" من فيلم "شوارع من نار"

من مسرحية "الدور الرابع شقة تسعة" مع احمد بدير ومحمود القلعاوي وفريدة سيف النصر

نجاح الموجي يقلد السادات من فيلم "زيارة السيد الرئيس"

Thursday, September 23, 2010

حلقة 10 - رأفت الميهي

حلقة 10

رأفت الميهي

25 سبتمبر 1940

مسقط رأس: غير معروف

يحتفل اليوم السيناريست والمخرج المصري رأفت الميهي بعيد ميلاده السبعين. ورأفت أحد الأسماء المهمة التي تحتاج لوقفة من الكثير ممن كتبوا عنه لأنهم اعتمدوا في كتاباتهم على مجموعة مع الأفكار المسبقة التي يرددها الجميع عن الميهي، بينما تكشف المراجعة المتأنية أن معظمها بعيد عن الصحة. يقولون مثلا أن رافت الميهي دخل عالم الإخراج من باب السيناريو وهو قول صحيح زمنيا فقط باعتباره سيناريوهات الميهي تم تنفيذها قبل قيامه بالإخراج، ولكن بعيدا عن الترتيب الزمني فقد أظهر الميهي حضورا أخراجيا بارزا منذ عمليه الأول والثاني (عيون لا تنام) و(الأفوكاتو). هذا الحضور الذي كان في أوج ظهوره في (للحب قصة أخيرة) و(قليل من الحب كثير من العنف). يقولون أيضا أنه قام بالإخراج لأنه لم يجد من ينفذ سيناريوهاته كما يرغب، وهو أيضا أمر خاطئ قياسا على المستوى المتميز لأفلام كتبها الميهي وأخرجها آخرون مثل (غروب وشروق) و(على من نطلق الرصاص) وكلاهما لكمال الشيخ.

ثم يأتي الدور على أعظم صورة نمطية يرددها الجميع وهي بالطبع تخصص رأفت الميهي في أفلام الفانتازيا، وهو قول منتشر لدرجة أن العامة والهواة يرددونه كلما ورد ذكر اسم الميهي. لن أسهب في تعريف فن الفانتازيا ومدى انطباقه أو عدم انطابقه على غالبية أفلام الميهي من الأساس، ولكن سأكتفي بأن أقول أن أفضل أفلام الميهي لم تكن فانتازية بأي حال من الأحوال، فلا (للحب قصة أخيرة) ولا (الأفوكاتو) ولا (السادة الرجال) ولا (ميت فل) مثلا يمكن اعتبارهم افلام فانتازية حتى وإن جنحوا للخيال في بعض تفصيلاتهم. الفيلمين الوحيدين الذي يمكن اعتبارهم فانتازيات صرفة هما (سمك لبن تمر هندي) و(قليل من الحب كثير من العنف)، ولا علاقة للأمر بالمناسبة بالبناء اوالحبكة الغير مألوفين كما يظن الجميع، ولكن بتفصيلتي الحساب في (سمك..) والمقارنة بين شكلين لنفس القصة في (قليل..). الأمر ببساطة أن الميهي السينارست (والذي اعترف بارتفاع مستواه عن الميهي المخرج إلى حد ما) قد قدم للجمهور تفصيلات لم يرونها من قبل، وجنوح في الخيال لم يعتاده المشاهد المصري خلال السبعينات والثمانينات (رغم وجوده قبل ذلك)، مع حركة نقدية متخبطة كذبت الكذبة وآمنت بها؛ ليكون النتيجة ظلم الرجل وحصر أفلامه في تصنيف الفانتازيا، والتي أصبحت تعني عن الغالبية أنها أفلام مجنونة وغير مفهومة. فأقل ما يمكن أن نفعله في عيد ميلاد الرجل أن نلفت النظر للأمر فلربما يعيد أحدهم التفكير فيما يقوله عن الميهي.

حمل أفضل أفلام الميهي بأعلى جودة

الأفوكاتو

سمك لبن تمر هندي

السادة الرجال

للحب قصة أخيرة

Sunday, September 19, 2010

حلقة 8 - تحية كاريوكا

حلقة 8

تحية كاريوكا

22 فبراير 1915 – 20 سبتمبر 1999

مسقط رأس: الإسماعيلية

في ذكرى رحيلها الحادية عشر يجب أن أعترف بأنه من حسن الحظ أن ترتب التواريخ كون تحية "الاستثنائية" هي أول سيدة أتحدث عنها في ناس من مصر. فحياتها الثرية كافية للكتابة في أضعاف أضعاف هذه المساحة. يمكن الحديث طويلا عن تفردها في تاريخ الرقص الشرقي كأفضل راقصة بشهادة الجميع حتى أن مفكرا عظيما بقيمة إدوارد سعيد وصف أداءها بأنه "يوحي بشيء كلاسيكي وتذكاري احتفالي بالوفت نفسه" وأن الابتسامة على وجهها "تخرس أي بهجة مسرحية مقترنة بالمشهد والرقص، وتطهرهما بفضيلة التركيز المنصب على دواخلها العميقة وأفكارها الشاردة". بإمكاننا أيضا التحدث عن موهبتها التمثيلية التي جعلتها (وهي الراقصة بالأساس) تضع اسمها بسهولة كواحدة من أفضل عشر ممثلات في تاريخنا السينمائي. أو يمكن التحدث عن مواقفها السياسية الوطنية (كمصرية) والقومية (كعربية) والنقابية (كفنانة). الكثير من النقاط يمكن إثارتها عن تحية كاريوكا ولكن الحقيقة أن الصفة الأهم والتي أحب أن أطرحها هو كون حياتها هي التصوير الأمثل لقيمة الجرأة والشجاعة.

فتحية كاريوكا امرأة لا تعرف الحلول الوسط، ولم تسمع أبدا باختراعات النفاق أو الالتفاف أو التحايل. تذكرني مراحل حياتها كلها (وأنا أعلم ما سيفتحه على هذا التشبيه من مصائب) بليلة إسلام عمر بن الخطاب. فهو مثلها لم يكن يعرف معنى الجبن أو الخوف في أمر يؤمن به، فيسأل بمنتهى البساطة: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ ففيم الاختفاء؟ هكذا بمنتهى البساطة أصبحت ليلة إسلامه هي ليلة الجهر بالدين كله. مثله كانت تحية (مع عدم جواز القياس بالطيع) لا تخاف أحدا فيما تؤمن به، تؤمن بالشيء فتفعله ببساطة ومباشرة وبمنتهى الجرأة: ليست جرأة راقصة مبتذلة، بل جرأة سيدة مصرية تعرف جيدا حدود الأصول.

آمنت تحية بجمالها وموهبتها وقدرتها على النجاح فرحلت من بلدها وهي لا تزال مراهقة لتخوض غمار التجربة في القاهرة، آمنت بموهبتها فرقصت ومثلت وملأت الدنيا صخبا ونجاحا ساحقا، لم يعجبها تصرفات الثورة الوليدة فصرحت ببساطة أنه "ذهب فاروق وجاء فواريق" وانضمت لتنظيم يساري لينتهي بها الأمر في المعتقل لما يزيد عن الثلاثة أشهر، ثم آمنت بقضية العروبة فلم تتوان في وسط مهرجان كان أن تنهال بالسباب (ويقال بالضرب) على الممثلة الأمريكية سوزان هيوارد عندما سمعت تقول كلاما مسيئا في حق مصر، وآمنت بجمال بنات جلدتها فكانت أول وآخر من يسير على السجادة الحمراء لمهرجان كان بالملاية اللف والمنديل بأوية!

وقعت في الحب ووقع الرجال في حبها فلم تدخل علاقة غير مشروعة وكان ردها الدائم "لو بتحبني اتجوزني" ليصل عدد زيجاتها لأربعة عشر (ويقال أكثر)، كرهت ما رأته في نكسة يونيو فكونت فرقة مسرحية قدمت بها مسرحيات لاذعة لانتقاد النظام، تعاطفت مع القضية الفلسطينية فسافرت في مظاهرات بأثينا وقبرص للاعتراض على تصرفات إسرائيل وهي في الثالثة والسبعين من عمرها، ثم اعتصمت وامتنعت عن الطعام وهي على أعتاب الثمانين احتجاجا على قانون النقابات الفنية سيئ السمعة. وقررت في أعوامها الأخيرة ارتداء الحجاب ففعلتها بتلقائية دون أي حديث أو جعجعة إعلامية.

وقبل كل ذلك لم تفقد للحظة الإيمان بنفسها، فلم تتوار من أجل الحفاظ على صورتها الساحرة، فعاشت تحت الأضواء حتى أيامها الأخيرة، حتى بعدما تسبب المرض في تغيير معالم الجسد الذي سحر الملايين؛ ظلت تحية تظهر بمنتهى البساطة والأريحية وكأنها تقول للجميع بطريقتها المباشرة الساحرة: اللي مش عاجبه يتحرق!

شاهد مقاطع متنوعة لتحية كاريوكا

حوار شهير يجمع تحية كاريوكا وسامية جمال

رقصة من فيلم حبيبي الاسمر

عزيز عثمان يغني تحت الشباك وتحية ترقص من فيلم لعبة الست

فريد الاطرش يغني وتحية ترقص من فيلم احلام الشباب

مشهد طلاق تحية ونجيب الريحاني من فيلم لعبة الست

وحمل كتاب (شخصيات لها تاريخ) لجلال أمين وفصل كامل عن تحية كاريوكا (كلمة السر: ibtesama.com )


Thursday, September 16, 2010

حلقة 6 - فؤاد المهندس

حلقة 6

فؤاد المهندس

6 سبتمبر 1924 – 16 سبتمبر 2006

مسقط رأس: العباسية – القاهرة

في ذكرى وفاته الرابعة أتذكر أنني عندما كنت في السادسة من عمري تابعت مسلسلا تلفزيونيا للمرة الأول هو (عمو فؤاد والميم 90)، والذي تدور أحداثه حول امتلاك عمو فؤد لآلة زمنية يعود بها كل حلقة ليقابل شخصية مصرية تاريخية. يمكنني أن أعتبر هذا العمل هو أول لبنة في تاريخ حبي للمعرفة، حيث رحت أسأل والدتي عن كل شخص ممن يرد ذكرهم في المسلسل (ربما كانت هي الإرهاصة الأولي لهذه المدونة أيضا). ومن يومها أنحفرت ملامح فؤاد المهندس الأبوية الهادئة في ذهني لتوازي شخصية "الأستاذ" أو "المعلم"، وهو الأمر الذي ازداد معي كلما كبرت وفهمت سر عظمة فؤاد المهندس بشكل أكبر.

فالأستاذ هو الناجح صاحب العلم والموهبة.. والذي لا يبخل بهذا العلم وهذه الموهبة على تلاميذه؛ انطلاقا من فهمه لحقيقة أن الأستاذية لا تدوم، وأن العلم لابد وأن يُنقل، والأجيال لابد وأن تلي الأجيال. هذه هي قصة حياة فؤاد المهندس الذي كان مسرحه على مدار أعوام متتالية معملا لتفريخ كبار النجوم. العظمة هنا لا تكمن في إكتشاف النجوم بقدر ما تكمن في القدرة المدهشة على التغلب على أمراض النجومية والشهرة، والموافقة بقلب صاف على جعل هذا الممثل الشاب الموهوب يأخذ النصيب الأكبر من النجاح، ويظهر في صورة ألمع من بطل العرض نفسه. فعلها مع شويكار في (سيدتي الجميلة) ثم مع عادل إمام في (أنا وهو وهي) ومحمد أبو الحسن في (سك على بناتك) وشيريهان في (علشان خاطر عيونك) وغيرها من الأمثلة التي تخلي فيها فؤاد المهندس طواعية عن غرور النجم الأوحد ليلعب دور السنيد لنجم في مقتبل العمر. ويكفيك لفهم ما أعنيه أن تتذكر عملاق المسرح وهو يظل لحوالي دقيقة يتحدث عن محاولة عمر الشريف لخطبة ابنته، ويعيد ويزيد في اسم عمر الشريف؛ فقط ليقوم "بفرش" الطريق لممثل لم يسمع عنه أحد من قبل ليقول ببراءة "مين عمر الشريف؟" فينتزع كل الضحكات وصيحات الإعجاب، بينما يكتفي عمو فؤاد بشرف وفخر الأستاذية.

شاهد مقاطع متنوعة لفؤاد المهندس

رايح أجيب الديب من ديله

من ذكريات برنامج "حديث المدينة" والمهندس يثور في وجه مفيد فوزي

من مسرحية هالة حبيبتي

من مسرحية سك على بناتك

من مسرحية سيدتي الجميلة

من فيلم أرض النفاق

مع شويكار في أغنية رمضان الشهيرة